هشام جعيط

123

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

قصده ماسينيون من أنها صفوف المساكن ، وهو معنى غير شائع « 1 » . المقصود بالذات هي شوارع معلمة تفصل بين خطط القبائل بأنواعها ، وتسمح لكل قبيلة بالتحول إلى المركز ، عبر طريق خاصة بها حددت لها مسبقا . وما جعل ماسينيون يخطئ في هذا الأمر اعتقاده أن الاستقرار الأول تمّ طبق النموذج البدوي المتمثل في اصطفاف الخيام ، وهو نموذج بقي معمولا به في موسم الحج . لكن لا نجد شيئا من ذلك في الصورة التي نحن بصددها ، ولو كان ذلك لفقد نص سيف كل تماسك . ونجد هذه الطرق ، سواء طابقت السكك أم لا ، مذكورة بالنسبة لفترات لاحقة وبوصفها شرايين للاتصال البشري ولتنقل الجنود الثائرين أو المؤيدين للحكومة داخل المدينة . بل نجدها أيضا مذكورة في بغداد الجديدة ، مع اتساع يمتد من 40 إلى 50 ذراعا ، محفوفة بالدكاكين والدور . وقد روي أن المنصور أمر بهدم بعض منها ، محافظة على عرض الطريق المحدد مسبقا « 2 » . كان لتخطيط الطرق الكبرى أهميته إضافة إلى ترتيبه التنازلي من 40 ذراعا « 3 » ( قرابة 16 ، 21 مترا ) إلى 30 ثم 20 ثم 6 ، ما جعل سيفا يعرض الأمور وكأن هذا التخطيط كان أول أمر صادرا عن عمر في شكل توصية شديدة الخطورة . أن يكون لعمر في هذا الموضوع آراء بمثل هذا الوضوح فهو أمر يصعب تصديقه ، ولعل سيفا أسقط على عمر العمل الذي أنجزه المنصور بشأن بناء بغداد . لكن علينا أن نتذكر أن مخططي الكوفة - نعني سعدا وأبا الهياج ، ومستشاريهم من الحيرة أو من فارس أو من النبط - صمموا المدينة في شكل مجموعة هندسية عقلانية منفتحة . لكن هل خططوا لذلك مسبقا ؟ ألا يليق أن نعتبر ذلك إسقاطا حيث تحدث المؤلف عن شوارع متوازية ، تخترق الطرق الرئيسية وعن شوارع أخرى « تتبعها » ، وحتى عن أزقة ومناهج صغرى لا يمكن أن يخطط لها بالطبع مسبقا . وهي تبرز بالذات في التراص المشط ، وفي فوضى التطور المقبل . ولا ننسى أن سيفا مات فيما بين سنة 170 / 786 و 193 / 809 ، بحيث يكون ألّف كتابه بعد سنة 150 / 767 « 4 » . هذا ويجب أن لا يبقى أي شك عن فتح شوارع عريضة في حزام السكن منذ البداية ، سواء صاحبتها طرق ثانوية أم لا ، بصفتها

--> ( 1 ) مرجع مذكور ، ص 45 . ( 2 ) الطبري ، ج 7 ، ص 654 : كتاب البلدان ، ص 242 ؛ قال الطبري إنها 40 ذراعا ، وذكر اليعقوبي أنها 50 ذراعا . وقد استخدم الطبري كلمة طريق ، واستعمل اليعقوبي كلمة شارع وهو يقصد المناهج الكبرى . ( 3 ) من البديهي أن الأمر يتعلق بالذراع السوداء التي تساوي 4 ، 54 سنتمترا : Hinz , Arabische Masse Und . Gewichte , p . 64 . ( 4 ) لا نعلم إلّا القليل عن حياة سيف : فؤاد سزكين ، مرجع مذكور ، ج 1 ، ص 498 ؛ وذكر عبد العزيز الدوري سنة 180 ه / 796 تاريخا لوفاته : علم التاريخ عند العرب ، ص 121 . وانظر ما سبق حول تقييم ما قدمه سيف .